الحوكمة وفترة الرؤساء التنفيذيين ورؤساء مجالس الادارة

 
الحوكمة وفترة الرؤساء التنفيذيين ورؤساء مجالس الادارة
 
منذ أسابيع قليلة أصدر البنك المركزي المصري قرارا يقضي بعدم بقاء المدراء التنفيذيين لكل البنوك في مصر في مناصبهم لفترة اجمالية مستمرة تتجاوز تسع سنوات، وعليه يجب علي جميع البنوك في مصر توفيق أوضاعها تنفيذا لهذاالقرار الذي كان كالصاعقة ومفاجئا للكثير من البنوك والمصرفيين والمدراء التنفيذيين الحاليين، بل أيضا لكل القطاع التجاري والمصرفي في مصر وغيرها من البلدان التي تتعامل معها ومع البنوك في مصر. ولقد كان رد الفعل لهذا القرار مضطربا ومزاجيا وغير واضح، لأن هناك من يؤيده لشيء في نفس يعقوب وهناك من يعارضه وأيضا لشيء في نفس يعقوب، وقليل من نظروا للموضوع بموضوعية وتجرد مهني.  
ومن دون شك، فان بعض البنوك والمهنة المصرفية ستفقد بعض المدراء التنفيذيين ممن وضعوا بصمات واضحة ونجاحات كبيرة في خط سير بنوكهم وكان من الممكن أيضا أن يحققوا المزيداذا استمروا في المنصب، ولكن بالمقابل هناك من "نام علي الخط" وظل يكرر في نفس العمل يوميا من دون اضافة من الجديد المفيدأو التفكير "خارج الصندوق" لمستقبل أفضل له كشخص مهني ولبنكه ومساهميه وكل مجتمعه.   
نؤيد القرار الصادر من البنك المركزي المصري ونتمنى أن تسير البنوك المركزية الأخرى علي نهجه، بل نتمني أن تتبعه كل الشركات وبمختلف تخصصاتها، بوازع منها وقناعة القائمين علي أمرها. ولكن، لا أدري لماذا تم تحديد الفترة بتسع سنوات، هكذا، وما هو السر في هذا الرقم الفردي الوتري.ولكننا بصفة عامة نتفق تماما مع مبدأ تحديد فترة زمنية للرؤساء والمدراء التنفيذيين للبنوك التي تتميز بأنها شركات ذات طبيعة خاصة جدا ويجب عليها أن تعمل وفق مواصفات خاصة وبقيادة خاصة، ولذا فهي تحتاج دوما لأفكار جديدة ودماء جديدة وبصمات جديدة وتطلعات جديدة وهكذا مع التغيير في القيادة يأتي الكثير المثير من الايجابيات والدفع الجديد التلقائي المتطلع لإثبات الوجود وتحقيق الذات، وفوق كل هذا فانه يفتح باب المنافسة التي يستفيد منها البنك في نهاية الأمر لأن الكل يقدم أفضل ما عنده وهو ينافس ويتطلع "فوق" لكرسي الرئاسة. الكرسي رقم (1) ، كرسي القيادة وليس كرسي القيادة، وخناك فرق كبير بينهما.
وبالإضافة لكل هذا وذاك فان تحديد هذه الفترة الرئاسية الزمنية لتبوء رئاسة ادارة البنوك تنسجم وتتطابق تماما مع الموجهات والمبادئ العامة التي تنتهجها وتتبناها حوكمة الشركات التي تتطلب، وبصفة خاصة،الكثير من المسائلة وتحمل المسؤولية وفق أعلي معايير الافصاح والشفافية والعمل المشترك المؤسسي بعيدا عن الذات والصفة الشخصية "الشخصنة " سعيا نحو المؤسسية المتكاملة.
وأيضا، علي نفس النهج، ظلت مبادئ الحوكمة تنادي بتحديد الفترة الزمنية لرؤساء مجالس الادارات خاصة بالنسبة لشركات المساهمة العامة، ومن متطلبات الحوكمة حصر رئاسة مجلس الادارة لدورتين فقط علي حد أكبر، وهذا في أغلب الأحوال لا يتجاوز فترة عشرة سنوات . بالطبع فان هذا سيمنح مجلس الادارة قوة وزخم متجدد، ومن هذا يشعر كل مساهم في الشركة أنه قد يكون رئيسا لمجلس ادارة شركته وأن هذا المنصب ليس محتكرا بل هومفتوح لكل من يجد في نفسه الكفاءة والقوة اللازمة لتحمل الرئاسة وتوابعها ومآلاتها المتعددة، والكل يجتهد لتقديم ما عنده من حسنات ومميزات.
نلاحظ في المنطقة، نفس الأشخاص يظلون رؤساء لمجلس الادارة لفترات طويلة جدا لدرجة أنهم يعتقدون أن هذا المنصب مخصص لهم فقط دون غيرهم ولا يفكرون خارج "الأنا" وبالطبع لهذا عواقب سلبية ادارية ومؤسسية كثيرة قد تضر في نهاية الأمر بالشركة وملاكها نظرا لأن الشركة ستسير علي نمط واحد محدد ومكرر. والتجديد هنا، أمر هام .
وليكن لنا مثلا "بيل جيتس" قدوة لأنه بعد أن شعر بضرورة ، استمرارية شركة مايكروسوفت في جو منافس قوي، قرر أن يتنازل عن رئاسة ادارة الشركة وتركها لغيره وابتعد هو بعيدا من هذا الأمر وتفرغ للتفكير الابداعي الخلاق والملهم ، وبالطبع ، لدرجة كبيرة في عالم تقنية المعلومات وعوالم التقنية الحديثة التي غيرت العالم ستستمر في التغيير لمجالات أرحب. ومن كل هذا الابداع تتطور البشرية وترقي. وليكن لنا هذا التصرف الحميد مثالا وقدوة وعبرة نستفيد منها ومن نتائجها الايجابية المتعددة ولنري أين وصلت مايكروسوفت" الآن و أين وصل موقع رائدها وصاحبها "بيل جيتس"."
بكل أسف عندنا "عقدة الكرسي" وكل من يجلس علي الكرسي لا يرغب في مفارقته ويتشبث به ويتمسك بأركانه حتي آخر لحظة، ومن مثل هذا التفكير غير السليم تتضرر الشركات ويتضرر العمل المؤسسي الذي تسعي مبادئ الحوكمة جاهدة التحليق به لمجالات أرحب وأفيد للجميع...وننادي بأهمية مراعاة ما تدعو له الحوكمة الرشيدة، خاصة في ما يتعلق ب"تداول" المركز و"تدويره" بالإحلال المستمر المتجدد ومنح الفرصة لكل الكفاءات المتمكنة وللدماء الشابة الطموحة لتأخذ مكانتها وأفضليتها ودورها في قيادة الشركات. 
ومن كل هذا تتطور المؤسسية وتتمكن الحوكمة من تحقيق العمل الاداري الرشيد المفيد للشركات وكل مجتمعها والجهات المرتبطة بها. وهكذا، وعبر هذا الاحلال والتدوير في المناصب،تكون الشركة "شراكة" فعلية حقيقية بين الجميع ولأجل الجميع وبعيدا عن الاحتكار ونظرة"الأنا"الفردية والشخصيةالتي تهدم المؤسسية .

الخميس 28 أبريل 2016
جريدة عمان